قراءة في ملف واقع الزراعة من وجهة نظر أصحاب المصلحة

الأحد 5 يوليو 2026 12:53 م
شارك الخبر

بقلم : طلعت الطرابيشى

قناعتنا بالزراعة مطلقة ولا تقبل المساومة , فهي طوق النجاة، والأمل، والملاذ كلما اشتدت الأزمات وتعقدت التحديات , وستظل الزراعة بالنسبة لنا الركيزة الأساسية للحياة والتنمية، ولن نتوقف عن الحلم بمستقبل أفضل لهذا القطاع الحيوي، أو السعي لتحسين جودة الحياة والارتقاء بالإنتاج الزراعي.

لكن في الوقت نفسه، لا نريد أن نغض الطرف عن الواقع، أو نكذب ما نراه بأعيننا.

فالزراعة المصرية تواجه اليوم تحديات متراكمة، لا تختلف كثيرًا عما تعانيه قطاعات أخرى عديدة. فما إن تنتهي أزمة حتى تبدأ أخرى، وكأن هذا القطاع كُتب عليه أن يظل في مواجهة مستمرة مع المشكلات، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على حجم الإنتاج وجودته وربحيته.

وفي نهاية المطاف، يبقى المزارع هو الطرف الذي يتحمل العبء الأكبر، يخوض المعركة كاملة، ويتحمل معظم الخسائر وحده.

بين الواقع والتصريحات

رغم ذلك، تتكرر التصريحات الرسمية التي تؤكد أن الأمور تسير على ما يرام، وأن القطاع الزراعي يحقق نجاحات غير مسبوقة، مستندة إلى مؤشرات الإنتاج، وتوفير التقاوي المحسنة، ودعم الأسمدة، وتقديم التوصيات الفنية، وتنفيذ البرامج الإرشادية، والتوسع في الزراعة التعاقدية، إلى جانب فتح المزيد من الأسواق أمام الصادرات الزراعية المصرية.

ولا شك أن هذه الجهود مهمة ومطلوبة، لكن يبقى السؤال المشروع:

هل يشعر المزارع الحقيقي بثمار هذه الجهود على أرض الواقع؟

الإجابة، في نظر كثير من أصحاب المصلحة، هي: لا بالقدر الكافي.

فالتصريحات الإيجابية لا تعوض الخسائر، والبيانات الرسمية لا تعكس دائمًا حجم الضغوط التي يعيشها المزارع يومًا بعد يوم.

رحلة طويلة من التكاليف

تبدأ معاناة المزارع منذ اللحظة الأولى للموسم الزراعي، مع تجهيز الأرض وحرثها، ثم شراء التقاوي، وسداد إيجارات الأراضي، وارتفاع أسعار الأسمدة والمبيدات ومستلزمات الإنتاج، مرورًا بتكاليف العمالة والري والميكنة الزراعية.

ولا تنتهي المعاناة عند مرحلة الإنتاج، بل تمتد إلى التسويق، حيث يواجه المزارع تقلبات الأسعار، وتحكم بعض تجار الجملة، ومشكلات التوريد، وآليات تسعير المحاصيل، فضلًا عن المخاطر المتزايدة الناتجة عن التغيرات المناخية، التي قد تبدد حصاد موسم كامل في أيام قليلة.

عندما تصبح الزراعة عبئًا

قد يرى البعض أن هذه التكاليف تمثل متطلبات طبيعية لأي نشاط زراعي، وهذا صحيح من حيث المبدأ.

لكن مع الارتفاعات المتلاحقة في أسعار مستلزمات الإنتاج، تحولت هذه المتطلبات إلى أعباء تثقل كاهل المزارعين، حتى أصبحت الزراعة بالنسبة لكثير منهم عبئًا اقتصاديًا يهدد استمرارهم، بدلًا من أن تكون مصدرًا للدخل والاستقرار.

وبعد موسم طويل من العمل والإنفاق والمخاطرة، يجد كثير من المزارعين أن العائد النهائي لا يتناسب مع حجم الجهد والتكاليف، بل قد لا يكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية لأسرهم.

ومن الطبيعي أن تدفع هذه الظروف بعضهم إلى العزوف عن الزراعة والبحث عن أنشطة أخرى أقل مخاطرة وأكثر ربحية.

إعادة ترتيب الأولويات

إن استمرار هذه الأوضاع يفرض إعادة النظر في عدد من السياسات الزراعية، ووضع المزارع في مقدمة الأولويات، من خلال العمل على خفض تكاليف الإنتاج، وتطوير منظومة التسويق، وضمان أسعار عادلة للمحاصيل، وتفعيل دور الإرشاد الزراعي، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية لصغار المزارعين.

بداية سلسلة من التقارير

وانطلاقًا من مسؤوليتها المهنية، تبدأ عالم الزراعة نشر سلسلة من التقارير المتخصصة، تستعرض واقع عدد من المحاصيل الاستراتيجية، والتحديات التي تواجهها، وتأثيرها على مستقبل الزراعة المصرية.

وستتناول هذه السلسلة، بصورة مختصرة ومدعومة بالأرقام، التكلفة الفعلية للفدان، والإنتاجية المتوقعة، وسعر البيع، وهامش الربح، وذلك من خلال تطبيق هذه المؤشرات على عدد من المحاصيل ذات الأهمية الاستراتيجية، مثل الذرة الشامية، والقمح، والقطن، والأرز، والبطاطس وغيرها.

وستكون البداية بملف الذرة الشامية... في محاولة لقراءة الواقع كما هو، وطرح حلول عملية تسهم في دعم المزارع، وتعزيز استدامة القطاع الزراعي، الذي سيظل أحد أهم ركائز الأمن الغذائي والتنمية في مصر.


أضف تعليق


أخبار ذات علاقة

القائمة البريدية