القمح.. محصول استثنائي في إيرادات المزارعين وحياة المصريين

الثلاثاء 25 أغسطس 2026 04:03 م
شارك الخبر

كتب : طلعت الطرابيشى

·        نمبر وان بين محاصيل الحبوب.. والأول عربيًا وأفريقيًا في الإنتاجية والإنتاج

تتميز زراعة القمح في مصر بخصوصية استثنائية مقارنة بغيره من المحاصيل الحقلية، باعتباره سلعة استراتيجية شديدة الطلب، لا غنى عنها في غذاء المصريين، فضلًا عن كونه مكونًا أساسيًا في غذاء أكثر من ثلث سكان العالم.

ونظرًا لأهمية القمح في حياة المصريين، وتعدد استخداماته، يحظى المحصول بأولوية كبيرة لدى القيادة السياسية، بهدف تلبية احتياجات السوق المحلية، وتقليل فاتورة الاستيراد، بالتوازي مع تمتعه بأفضلية واضحة لدى المزارعين لما يحققه من جدوى اقتصادية وعائد مجزٍ.

وتكمن خصوصية القمح عن غيره من المحاصيل الاستراتيجية في كونه من المحاصيل التي تحقق للمزارع عائدًا اقتصاديًا جيدًا بعد تغطية تكاليف الزراعة، وهو ما يجعل زراعته مستهدفة ويزيد الإقبال عليها عامًا بعد آخر، فضلًا عن سهولة تسويقه، وثبات الطلب عليه، وعدم كفاية المعروض لتغطية احتياجات الأسواق المتزايدة.

نمبر وان في محاصيل الحبوب.. والأول في حجم الاستيراد

يمكن إيجاز عدد من الحقائق التي تكشف خصوصية محصول القمح في مصر، ومن أبرزها:

يعتبر القمح محصول الحبوب رقم «1» في مصر بين محاصيل الحبوب الاستراتيجية.

تعد مصر من أكبر الدول المستوردة للقمح عالميًا، بأكثر من 11 مليون طن سنويًا.

تحتل مصر المركز الأول عربيًا وأفريقيًا، ورقم 15 عالميًا في إنتاج القمح والإنتاجية.

يصل الإنتاج المحلي إلى نحو 10 ملايين طن سنويًا، بمتوسط إنتاجية يتراوح بين 18 و20 أردبًا للفدان , وتتنوع استخدامات القمح في إنتاج رغيف الخبز، والمكرونة، والنشا، ومختلف أنواع المعجنات، إلى جانب دخوله في صناعة الأعلاف الحيوانية، التي يمثل القمح نحو 70% من مدخلاتها.

كما يتم الاستفادة من جنين القمح في العديد من الاستخدامات، ومنها الأغراض الطبية.

وتستند الحكومة إلى هذه المعطيات وغيرها في إعداد الـ«Home Work» السنوي، الذي يتصدره رسم السياسة الزراعية، وتحديد خطة الاحتياجات السنوية، وحجم الاستيراد، وتقدير «أسعار الضمان» وأسعار توريد القمح، وفقًا لحجم الإنتاج ومواصفاته، والأسعار العالمية، وسعر العملة.

70% زيادة في سعر الضمان .

لعبت الربحية والعائد الاقتصادي المجزي لزراعة القمح، إلى جانب رفع الحكومة لسعر شراء القمح المعروف بـ«سعر الضمان»، وتحديده قبل موسم الزراعة بوقت كافٍ، دورًا مهمًا في زيادة إقبال المزارعين على زراعته والتوسع في المساحات المنزرعة.

وبلغت المساحات المخصصة لزراعة القمح خلال عام 2026 نحو 3.7 مليون فدان، بزيادة تقدر بنحو 600 ألف فدان عن العام السابق.

وقد تم رفع سعر الضمان هذا العام بنسبة 7% عن سعر العام الماضي، ليصل سعر توريد القمح من المزارعين خلال موسم 2026 إلى 2500 جنيه للأردب.

·        تبكير وتأخير الزراعة.. مخاطر واستثناءات

يعد التوقيت المثالي لزراعة القمح خلال الفترة من 15 نوفمبر حتى 10 ديسمبر في محافظات الوجه البحري، بينما يمتد في محافظات الصعيد والأراضي الجديدة من 10 إلى 30 نوفمبر.

أما التبكير أو التأخير في مواعيد الزراعة، فهو من الممارسات التي يلجأ إليها بعض المزارعين، إلا أنها قد تحمل عددًا من المخاطر، أبرزها بطء النمو، وضعف حجم السنبلة، وانخفاض مستوى الإخصاب، والتأثير السلبي على مراحل النمو الفسيولوجي، فضلًا عن زيادة احتمالات الإصابة بالأمراض، وحدوث ظاهرة «الرقاد»، وهي انحناء النباتات وسقوطها.

وتكون الزراعة المبكرة عادة خلال شهر أكتوبر، بينما تبدأ الزراعة المتأخرة بعد شهر ديسمبر من كل عام.

·        زراعة القمح على عروتين.. حلم مضاعفة الإنتاج

يبدو أن أحلام مضاعفة الإنتاج والإنتاجية ليست مستحيلة، وقد تتحول مستقبلًا إلى واقع، من خلال التجارب البحثية التي يجريها بعض الباحثين في مركز البحوث الزراعية، والتي تستهدف دراسة إمكانية تكرار مواسم «عروات» زراعة القمح لأكثر من مرة خلال العام.

وتجرى حاليًا تجارب بحثية تستهدف زيادة عدد عروات زراعة القمح من عروة واحدة إلى عروتين سنويًا، مع التركيز على المفاضلة بين استخدام تقنيات «التبريد» أو أصناف التقاوي المبكرة النضج.

ولا تزال هذه المحاولات في إطار التجارب البحثية الحديثة، ولم تتبلور نتائجها النهائية بعد، وهو ما يجعل التعامل معها باعتبارها تجربة علمية قابلة للدراسة والتقييم، وليس كتوصية زراعية معتمدة.

·        جماعة ضد التغيير

ومن الطبيعي أن تثير مثل هذه التجارب نقاشًا بين المؤيدين والمعارضين، خاصة أن الزراعة بطبيعتها ترتبط بتراكم الخبرات والتوصيات الفنية المستقرة.

ويرى الرافضون لهذه التجارب أن القمح محصول شتوي له احتياجات حرارية وفسيولوجية محددة، وأن تغيير مواعيد الزراعة أو تكرار زراعته في العام نفسه قد يحمل مخاطر تتعلق بالنمو والإنتاجية وصحة التربة وانتشار الأمراض .

ويستند هذا الاتجاه إلى مبدأ الالتزام بالتوصيات الفنية المعتمدة والممارسات الزراعية التي أثبتت نجاحها، في مقابل الاتجاه الذي يرى أن التجارب البحثية الجديدة يجب أن تحصل على فرصتها الكاملة في الدراسة والتقييم، طالما تتم في إطار علمي وتحت إشراف الجهات البحثية المختصة.

·        محصول شتوي واحتياجات فسيولوجية محددة

يستند المعارضون لفكرة التوسع في عروات زراعة القمح إلى أن القمح محصول شتوي، يبدأ موسم زراعته مع بداية فصل الخريف، ويتم حصاده في نهاية فصل الشتاء وبداية الربيع.

ويفضل القمح درجات الحرارة المنخفضة نسبيًا خلال مراحل النمو الأولى، خاصة مرحلتي الإنبات والتفريع، ثم يحتاج إلى درجات حرارة معتدلة ودافئة خلال مراحل النضج والحصاد.

كما يفترض تجنب فترات الصقيع والرطوبة العالية، للحد من مخاطر الإصابة بالأمراض الفطرية، وفي مقدمتها الصدأ الأصفر، الذي يمكن أن يؤثر سلبًا على نمو النبات وإنتاجيته.

كذلك تحذر التوصيات الزراعية من زراعة القمح للعام الثاني على التوالي في الأرض نفسها، بهدف المحافظة على خصوبة التربة والحد من انتشار الأمراض الفطرية، وهو ما يطرح تساؤلًا حول مدى إمكانية تطبيق نظام عروتين متتاليتين للقمح في الأرض نفسها دون التأثير على خصوبة التربة وصحة المحصول.

5 عوامل لمضاعفة الإنتاجية

وفي المقابل، يركز الاتجاه التقليدي على زيادة الإنتاجية من خلال الالتزام بمجموعة من الممارسات الزراعية والتوصيات الفنية، وفي مقدمتها:

الالتزام بمواعيد الزراعة والحصاد وفقًا للتوزيع الجغرافي والظروف المناخية لكل منطقة.

استخدام أصناف التقاوي الجديدة والمعتمدة، عالية الجودة والمقاومة للأمراض والتغيرات المناخية، ومن أشهرها مصر 1، ومصر 2، وسخا 93، وسخا 94.

تطبيق طرق الزراعة على المصاطب، مع الاستفادة من التسوية بالليزر.

اتباع السياسة الصنفية لضمان الوصول إلى أعلى إنتاجية ممكنة.

استخدام وسائل المكافحة المسجلة والموصى بها، مع مراعاة المقننات المائية واحتياجات المحصول من الري.

حساب التكلفة والعائد.. القمح محصول مربح

وبلغة الأرقام، تبدو زراعة القمح نشاطًا زراعيًا مربحًا ومشجعًا للمزارعين على الاستمرار والتوسع، وفقًا للتقديرات الفعلية لتكاليف الإنتاج والعائد.

وتتراوح تكلفة زراعة الفدان بين 30 و38 ألف جنيه، شاملة التقاوي، والتسميد، وإيجار الأرض، ومصاريف الحراسة والتسوية، والعمالة، وقيمة المبيدات.

في المقابل، يمكن أن تصل حصيلة مبيعات إنتاج الفدان إلى نحو 80–90 ألف جنيه، وفقًا لمستوى الإنتاج وأسعار البيع وقيمة المنتجات الثانوية.

وبحسبة بسيطة :

18 أردبًا × 2500 جنيه سعر توريد الأردب = 45 ألف جنيه قيمة محصول القمح.

ويضاف إلى ذلك عائد المنتجات الثانوية، وعلى رأسها الردة أو النخالة والتبن، وهما منتجان عليهما طلب كبير، خاصة في صناعة الأعلاف وبعض الاستخدامات الصناعية.

ويعطي فدان القمح نحو 450 كيلو ردة، وبسعر 13 جنيهًا للكيلو، تصل قيمتها إلى نحو:

450 × 13 = 5850 جنيهًا.

كما يعطي الفدان نحو 20 حمل تبن، وبسعر 1800 جنيه للحمل، تصل قيمة التبن إلى:

20 × 1800 = 36 ألف جنيه.

وبذلك تصل إجمالي مبيعات فدان القمح، وفق هذه التقديرات، إلى : 45 ألف جنيه قيمة القمح + نحو 6 آلاف جنيه قيمة الردة + 36 ألف جنيه قيمة التبن = نحو 87 ألف جنيه.

وبخصم تكلفة زراعة الفدان المقدرة بنحو 38 ألف جنيه، يصل صافي العائد التقديري إلى نحو:

87 ألف جنيه إجمالي المبيعات – 38 ألف جنيه تكلفة الزراعة = 49 ألف جنيه.

وهكذا يظل القمح، بما يمثله من أهمية استراتيجية وغذائية واقتصادية، محصولًا استثنائيًا في حياة المصريين، ومحصولًا جاذبًا للمزارعين، وركيزة أساسية في منظومة الأمن الغذائي، مع استمرار الحاجة إلى البحث العلمي والتجارب الزراعية التي تستهدف رفع الإنتاجية وتقليل فجوة الاستيراد، بشرط أن تخضع أي ممارسات جديدة للتقييم العلمي والفني قبل تعميمها.

 

 


أضف تعليق


أخبار ذات علاقة

القائمة البريدية